الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
143
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وبني فعل أُمِرْتُ للمجهول في اللفظ للعلم به ، إذ من المعلوم من سياق الكلام أنّ الذي أمره هو اللّه تعالى . وقوله : أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي من الفئة التي يصدق عليها هذا الوصف وهو الإسلام ، أي توحيد اللّه دون عبادة شريك ، لأنه مشتق من إسلام العبادة وتخليصها للّه تعالى دون غيره . كما في قوله تعالى : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [ آل عمران : 20 ] . وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاما في مختلف العصور وسمّى اللّه به سنن الرسل فحكاه عن نوح - عليه السلام - هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] ، وعن إسماعيل رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [ البقرة : 128 ] ، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 133 ] ، وعن يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً [ يوسف : 101 ] ، وعن موسى وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 8 ] ، وعن سليمان أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 31 ] ، وعن عيسى والحواريين قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ [ المائدة : 111 ] . وقد تقدم بيان ذلك مفصلا عند قوله تعالى : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ في سورة البقرة [ 128 ] . وقوله : أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من : أن أكون مسلما ، كما تقدم عند قوله تعالى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ في سورة البقرة [ 43 ] ، وعند قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في سورة براءة [ 119 ] . [ 73 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 73 ] فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) الفاء للتفريع الذكري ، أي تفريع ذكر هذه الجمل على ذكر الجمل السابقة لأن الشأن أن تكون لما بعد الفاء مناسبة لما قبلها تقتضي أن يذكر بعدها فيؤتى بالفاء للإشارة إلى تلك المناسبة ، كقوله تعالى : ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * [ الزمر : 72 ] ، وإلا فإن تكذيب قوم نوح حصل قبل أن يقول لهم : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي [ يونس : 71 ] إلخ ، لأنه ما قال لهم ذلك إلا وقد رأى منهم تجهم دعوته . ولك أن تجعل معنى فعل فَكَذَّبُوهُ الاستمرار على تكذيبه مثل فعل آمَنُوا في